ابن الجوزي

289

بستان الواعظين ورياض السامعين

من أليم العذاب ، وارغبوا في جزيل الثواب ، بالصلاة على النبي الصادق الأواب . اعلموا عباد اللّه أنّ اللّه تبارك وتعالى لما اتخذ محمدا صلى اللّه عليه وسلم حبيبا أقسم بحياته فقال تعالى : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [ الحجر : 72 ] فهذه غاية المحبة . ولما أحب اللّه تعالى أن يصلي العباد على محمد النبي الحبيب بدأ بالصلاة عليه الملك القريب ، ثم ثنى بملائكته البعيد منهم والقريب ، ثم عرف عباده المؤمنين أنه يصلي على محمد هو وملائكته ، ثم أمر بالصلاة عليه أهل الإيمان ، لينجيهم بها من عذاب النيران ، فقال الملك الرحمن في محكم القرآن إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ الأحزاب : 56 ] فكأنه قال جل وتعالى : عبدي قد أعلمتك أني أصلي على محمد حبيبي وملائكتي تصلي عليه ، فمن أكثر الصلاة على محمد الحبيب ، جعلت له من الجنة أوفر نصيب ، وكان رفيقا وجارا لأبي القاسم الحبيب . وأنشدوا : صلّى الإله بعظمه وجلاله * ثم الملائكة الكرام على النبي فهو الحبيب لربنا ربّ العلا * وهو الدليل لجنة لا تختبي [ 447 ] الملائكة تستغفر للمصلي ذكر في بعض الأخبار أن العبد المؤمن أو الأمة المؤمنة إذا ابتدأ بالصلاة على محمد صلى اللّه عليه وسلم فتحت له أبواب السماوات السبع والسرادقات حتى العرش ، فلا يبقى ملك في السماوات إلّا صلّى على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ويستغفرون لذلك العبد أو الأمة ما دام العبد ، أو الأمة يصلي على النبي صلى اللّه عليه وسلم . وأنشدوا : صلّوا بنا يا معشر الإسلام * على النبي الواضح الأحكام نطق الكتاب بفضله وجلاله * وبفضله ننجوا من الإجرام [ 448 ] مقام الشبلي حكي عن بعضهم أنه قال : كنت عند أبي بكر بن مجاهد جالسا إذ أقبل الشبلي فقام أبو بكر إليه فعانقه وقبل بين عينيه ، فقلت : يا سيدي تفعل هذا بالشبلي وأهل بغداد يقولون عنه إنه مجنون ؟ ! فقال : قد فعلت به كما رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يفعل به ، وذلك أني رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المنام وقد أقبل الشبلي فقام النبي صلى اللّه عليه وسلم فعانقه وقبله بين عينيه ، فقلت له : يا رسول اللّه تفعل هذا بالشبلي ؟ ! فقال صلى اللّه عليه وسلم : نعم